ابن قيم الجوزية
442
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
موالاته . فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون . ومن لم يفهم الفرق بينهما فليطلب التوحيد من أساسه . فإن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه . وكثير من الناس يبتغي غيره حكما ، يتحاكم إليه ، ويخاصم إليه ، ويرضى بحكمه . وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد : أن لا يتخذ سواه ربا ، ولا إلها ، ولا غيره حكما . وتفسير الرضى باللّه ربا : أن يسخط عبادة ما دونه . هذا هو الرضى باللّه إلها . وهو من تمام الرضى باللّه ربّا . فمن أعطى الرضى به ربا حقه سخط عبادة ما دونه قطعا . لأن الرضى بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته ، كما أن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية . وقوله : « وهو قطب رحى الإسلام » يعني أن مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده ، وأن يسخط عبادة غيره . وقد تقدم أن العبادة هي الحب مع الذل . فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون اللّه ، فأنت عابد له . وقوله : « وهو يطهر من الشرك الأكبر » يعني أن الشرك نوعان : أكبر ، وأصغر . فهذا الرضى يطهر صاحبه من الأكبر . وأما الأصغر : فيطهر منه نزوله منزلة « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . شروط الرضا قال « وهو يصح بثلاثة شروط : أن يكون اللّه عزّ وجلّ أحب الأشياء إلى العبد . وأولى الأشياء بالتعظيم ، وأحق الأشياء بالطاعة » . يعني أن هذا النوع من الرضى إنما يصح بثلاثة أشياء أيضا : أحدها : أن يكون اللّه عزّ وجلّ أحب شيء إلى العبد . وهذه تعرف بثلاثة أشياء أيضا : أحدها : أن تسبق محبّته إلى القلب كل محبة . فتتقدم محبته المحاب كلها . الثاني : أن تقهر محبته كل محبة . فتكون محبته إلى القلب سابقة قاهرة ، ومحبة غيره متخلفة مقهورة مغلوبة منطوية في محبته . الثالث : أن تكون محبة غيره تابعة لمحبته . فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول . وغيره محبوبا تبعا لحبّه . كما يطاع تبعا لطاعته . فهو في الحقيقة المطاع المحبوب . وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتعظيم والطاعة أيضا . فالحاصل : أن يكون اللّه وحده المحبوب المعظم المطاع . فمن لم يحبه ولم يطعه . ولم يعظمه : فهو متكبر عليه . ومتى أحب معه سواه ، وعظّم معه سواه ، وأطاع معه سواه : فهو مشرك . ومتى أفرده وحده بالحب والتعظيم والطاعة فهو عبد موحد . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . قال « الدرجة الثانية : الرضى عن اللّه . وبهذا نطقت آيات التنزيل . وهو الرضى عنه في كل ما قضى وقدّر . وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص » . الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها . ووجه قوله : أنه لا يدخل في الإسلام إلا بالدرجة الأولى . فإذا استقرّ قدمه عليها دخل في مقام الإسلام . وأما هذه الدرجة : فمن معاملات القلوب . وهي لأهل الخصوص . وهي الرضى عنه في أحكامه وأقضيته .